محمد بن أحمد الفرغاني

73

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

وتلك الأحكام نحو حقيقة هيبتها الروحانية وبساطتها وقدسها وطهارتها إلى مثل ذلك مما هي مضافة إلى الخلق ، فكانت إلهية الاجتماعية من بين هذه الأشعة المفاضة وهذه الأحكام مسمّاة بالقلم الأعلى والأرواح المهيمة واللوح المحفوظ وظهورها بما حواها وتكوّنها كتكون صورة الشعاع الواقع على الماء الصافي المنعكس عنه على الجدار الصقيل ، فالماء مثل الحقيقة القابلة والجدار الصقيل مثل المرتبة ، فافهم فهذه تمثيل مطابق من بعض الوجوه لا كلّها ضرب تأنيسا لفهم المحجوب ، وإلا فحقيقة الأمر ألطف وأبسط مما يدركه إلا الندر من أكابر أهل الذوق والفهم . فتذكر في تفهم ما قرّر قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : الآية 45 ] ، يعني ظل الأسماء الذاتية التي في الرتبة الأولى من عين التجلّي الأول الذي هو ربّ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم مدّ ظل التعيّن والبرزخ والتجلّي الثاني بما اشتملت عليه من الأسماء والصفات والحقائق الإلهية والكونية أصولا وفروعا من التعين والبرزخ والتجلّي الأول لما تضمّنت واندرجت فيها من اعتبارات الواحدية والأسماء الذاتية ، ثم مد ظل تعيّنات الوجود المفاض على الكائنات والمضاف إليها في مرتبة الأرواح والمثال والحسّ من عين ظاهر الوجود الرحمني من كونه مفيضا لتحقّق تمام الكمال الأسمائي ، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [ الفرقان : الآية 45 ] - يعني الظل - الأول والثاني ولم يمدّهما في المراتب الكونية بتوجّهات واجتماعات من أسماء مختصّة بذلك المدّ المخصوص على الكون لكان الأمر تماما كاملا بالنسبة إليه ، لكونه غنيّا عن العالمين ، فكان هذا المدّ منه على سبيل الإرادة والاختيار ؛ لقوله : وَلَوْ شاءَ [ الفرقان : الآية 45 ] ، لا بالذات كما زعمت الملاحدة لعنهم اللّه ، ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [ الفرقان : الآية 45 ] ، يعني على امتداد الظلال ؛ كما قال اللّه تعالى : لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) [ النّحل : الآية 60 ] ، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) [ الفرقان : الآية 46 ] ، أي : دقيقا خفيّا جليلا لا تدرك كيفيّته ، وذلك القبض مثل رجوع الوجود كل آن إلى أصله لكونه عرضا على الحقيقة وقيام بدل مثله مكانه في الخلق الجديد المشار إليه في قوله تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : الآية 15 ] ، على نحو رجوع الغذاء والدهن بالتحليل من البدن والسراج إلى ما بدا منه من الأركان ، وقيام ما يتحلّل مكانه ، وذلك بتقدير العزيز الحكيم اللّطيف العليم ، ولما كان نسبة